أشواك العقل


         أشواك العقل

قراءة فلسفية في القمع والحرية

 في "أشواك في دماغ السيد سين" لعبد القهار الحجاري


حمزة اغزيل

عبد القهار الحَجّاري كاتب ناقد وشاعر وباحث موسيقي، يتقن فن السرد المكثف والرمزي، حيث تتشابك عوالمه بين الواقع والخيال، بين الوعي واللاوعي، في فضاءات تحكمها الأسئلة الوجودية والمصائر الملتبسة. في نصوصه، تتبدل الأدوار، وتنقلب الحقائق، ولا شيء يبدو كما هو… يتقاطع في أعماله البعد الفلسفي مع النقد الاجتماعي الحاد، ليخلق تجربة سردية تثير القارئ وتحفزه على التأمل في معاني الحرية والقمع، والحقيقة والوهم…

في قصته -أشواك في دماغ السيد سين- ينزلق القارئ في دوامة من الشك والاضطهاد والحرية المستحيلة، حيث تتقاطع الواقعية مع العبث ويتحول التفكير إلى جريمة تستوجب العقاب؛ إنها قصة عن القمع الذهني، عن الإنسان الذي تحاصره الأسلاك الشائكة ليس في جسده فحسب، بل في عقله أيضًا، فتكون أقفاص الطيور استعارة لما هو أكبر وأشد فتكًا: السجن الفكري…

يحمل العنوان "أشواك في دماغ السيد سين" شحنة رمزية مكثفة، إذ تحيل -الأشواك- إلى الألم والاضطهاد والقيود التي تخترق الفكر، مما يجعل العقل نفسه ساحة للصراع وليس مجرد أداة للتحليل أو التفكير، بينما يرمز -السيد سين- إلى شخصية عامة قابلة للإسقاط على أي فرد، مما يعزز الطابع الإنساني والشامل للقصة؛ ومن هنا يثير العنوان تساؤلات فلسفية عميقة: هل يمكن للأشواك أن تكون أكثر من مجرد رموز للألم؟ هل تتحول القيود التي تخترق الفكر إلى آليات تحبس الوعي بدلًا من تحريره؟ هل يستطيع العقل أن يتحرر من داخل هذا السجن الذهني، أم أن معركة التفكير هي معركة مستمرة لا تنتهي؟

يبدأ السرد بمشهد يكتنفه الغموض: "كنت أهم للتو بفتح باب شقتي، عندما وجدت شخصًا غريبًا قبالتي، يتفحص وجهي ببلاهة…" هنا، يدفع الكاتب القارئ مباشرة إلى قلب الحدث دون مقدمات تقليدية، فيكثّف التوتر منذ الجملة الأولى. الغريب الذي يقف أمام الباب ليس مجرد شخص، بل هو تجسيد لسلطة غير مرئية، يراقب، يحاسب، يتسلل إلى الحياة اليومية كأنه ظل ملازم لا يمكن التخلص منه… ثم تتخذ القصة بعدها مسارًا داخليًا حيث يتماهى الصراع الخارجي مع الصراع النفسي، فتبدأ العصافير المحبوسة في الأقفاص بالظهور كرمز مركزي… يقول السارد: "وأنا لا أحبها (الأقفاص)، وتعز علي هذه الطيور المتلجلجة بها…. ولم أكره في حياتي مثل حبس الطيور في الأقفاص…" هذه العبارات تكشف عن رمزية الأقفاص التي تمتد إلى ذات البطل، فهو يراها امتدادًا لسجنه الوجودي، لحياة محكومة بالمراقبة والمنع والخضوع. لكنه أيضًا يتورط في الإبقاء على هذه العصافير داخل الأقفاص، وهو ما يضعه في حالة تناقض: هل هو ضحية فقط، أم أنه أيضًا جزء من المنظومة التي تساهم في استمرار القمع؟!

يتصاعد التوتر حين يدخل الرجل الغريب الشقة، ويبدأ حديثه بعبارة مرعبة في بساطتها: "-أنت تفكر كثيرًا يا سيد سين!" هنا، يتحول التفكير إلى تهمة، وتصبح العصافير الثائرة في أقفاصها انعكاسًا لحالة البطل العقلية؛ إنها أفكاره المحتجزة، تقاوم، تنتفض، لكنها ما زالت خلف الأسلاك الحديدية… يمضي الغريب في ترسيخ فلسفة القمع: "-دعك منها! إياك أن تفكر في فك حبستها، إنها تعودت القفص وانفصلت عن بيئتها، ستعرضها للموت إن حررتها، ستأكلها القطط…" هذه الجملة تحمل مفارقة عميقة؛ إنها ليست مجرد تحذير من مخاطر الحرية، بل هي أيضًا تجسيد للمنطق السلطوي الذي يحوّل الخضوع إلى ضرورة بيولوجية، يقنعك أن السجن هو الحماية، وأن الانطلاق نحو الحرية لا يقود إلا إلى الفناء…

ذروة القصة تأتي حين يخير المخبر السيد سين بين أمرين: "إما التوقف عن تخطي الأسلاك الشائكة، أو أن أتحمل مسؤوليتي فيما يمكن أن يقع لي…" هنا، تبلغ الحبكة مداها، فالسارد ليس مجرد فرد مراقَب، بل هو عقل محاصر، وعليه أن يقرر: هل يقبل بالقيود أم يتحدى النظام؟ لكنه يقرر الخيار الثالث، خيار التحرر الرمزي، في مشهد تحطيم الأقفاص الذي ينفتح على أفق من الثورة والتمرد. "فتحت كل النوافذ، استنشقت الهواء المنعش المندفع بفرح …. كانت تحييني وهي تطير بعيدًا…"

هذه اللحظة تبدو للوهلة الأولى انتصارًا، لكن الكاتب سرعان ما يقلب الطاولة على القارئ في مشهد النهاية. إذ يكتشف البطل أنه في مستشفى، محاطًا بأجهزة طبية، وأن الشخصيات التي تحيط به غريبة عنه، وأن -حياة- التي بدت رمزًا للحب والدفء والحرية  لم تكن إلا ممرضة تحمل رقم 713، الرقم ذاته الذي يحمله المكتب الذي أرسل المخبر. وهنا، تتكشّف الحقيقة المرعبة: هل كانت كل الأحداث مجرد هلوسة في عقل مريض؟ أم أن النظام الذي يحاربه السيد سين أكثر قدرة على الاحتواء مما تخيله؟! الفقرة الأخيرة في القصة ليست مجرد نهاية، بل هي إعادة تعريف كاملة لمعنى الحرية والقمع، لحظة تتكثف فيها كل المفارقات التي بُني عليها النص… كان البطل يظن أنه يكسر القفص، لكنه لم يكن سوى داخل قفص أعمق، أكثر خداعًا. هنا تتجلى الفكرة الفلسفية التي تطرحها القصة: متى يكون الإنسان حرًا فعلًا؟ هل الحرية فعل مادي، أم أنها حالة ذهنية؟ وإذا كانت العقول مسجونة، فهل يمكن اعتبار التحرر الجسدي سوى وهم آخر؟

عند وصول -حياة-، الاسم الذي يفترض أن يكون نقيضًا للموت، نجد أن الرمز نفسه يحمل مفارقة مؤلمة. إنها ليست فقط ملاك الرحمة، بل جزء من المنظومة التي كانت تطارد البطل… لكن، هل كانت كذلك دائمًا، أم أنها مثله، شخص يعتقد أنه خارج اللعبة بينما هو غارق فيها حتى النخاع؟ وهل يمكن اعتبارها عدوًا أم ضحية أخرى؟ الرقم 713 المطرز على جيب وزرتها البيضاء ليس مجرد تفصيل، بل هو علامة امتلاك، وشيفرة سرية تشير إلى أن النظام لا يترك أحدًا خارج رقابته، حتى أولئك الذين يبدو أنهم على الهامش. إذا كان القمع قد وصل حتى إلى الأشياء البسيطة، حتى إلى تفاصيل الثياب، فهل هناك مهرب حقيقي؟! لكن السؤال الأكثر رعبًا: هل البطل كان واعيًا طوال الوقت، أم أن هذه اللحظة الأخيرة هي أول لحظة إدراك حقيقي له؟! هنا نعود إلى فكرة الوهم، إلى الالتباس الذي يحيط بالواقع. عندما يقول: -رأيت عينيها الجميلتين فوق الكمامة التي ترتديها-، تبدو العبارة بسيطة، لكن الكمامة ليست مجرد قناع طبي، بل رمز للخفاء، للوجه الذي لا يُرى، للحقيقة التي لا يمكن الإمساك بها… هل حياة هنا شخص واحد، أم أنها صورة مركبة لكل من مروا في حياته؟! هل هي الحبيبة أم الحارسة؟! هل جاءت لتنقذه أم لتؤكد أنه لم يكن حرًا لحظة واحدة؟!

إن اللحظة التي يتلقى فيها البطل الحقنة ليست لحظة موت، بل لحظة ولادة جديدة، لكن أي ولادة؟ هل هي بداية وعيه بزيف كل ما عاشه؟! أم أنها لحظة دخوله في مرحلة أعمق من السجن، سجن لا يحتاج حتى إلى قضبان، لأن العقل نفسه صار الأداة التي تُقيده؟! هنا تطرح القصة سؤالها الأخير: هل يمكن للعقل أن يكون سجّانه الخاص؟ وهل التمرد ممكن حقًا، أم أن كل تمرد هو مجرد جزء من لعبة أكبر، حيث يتغير شكل القفص لكن الجدران تبقى؟ القصة تترك القارئ معلقًا في هذه الدائرة اللانهائية من التساؤل. نحن نظن أننا نفهم، ثم ندرك أننا لم نفهم شيئًا… في النهاية، قد لا تكون الحرية سوى فكرة، وقد يكون القفص في مكان لم نتوقعه أبدًا: داخل رؤوسنا. هذه ليست مجرد سرد لحكاية شخص يخضع للرقابة، بل هي تجربة عقلية وفلسفية عميقة حول الوجود، والحرية، والعقل كمساحة للصراع. في البداية، يبدو السيد سين فردًا يواجه نظامًا قمعيًا، لكنه في النهاية ليس سوى صورة لعقل مسجون في دائرة لا نهائية من التقييد والاحتواء. إنه ليس ملاحَقًا لأنه كتب، بل لأنه فكر…

عبد القهار الحجاري، بأسلوبه الرمزي والمكثف، يرسم لنا في هذه القصة القصيرة لوحة قاتمة للواقع، حيث تصبح الحرية وهمًا، والمقاومة مجرد حلم، والتمرد محاولة قد تنتهي بصاحبها في سرير طبي، محاطًا بأجهزة تحصي أنفاسه، ومخبرين يراقبون حتى آخر فكرة تخطر في رأسه…

#حمزةاغزيل

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال